عبدالله بن علي – الدمام
قد يفاجأ البعض بهذا الرأي، خصوصًا في زمن أصبحت فيه كثير من النقاشات المهنية تنطلق من زاوية واحدة: ماذا يجب أن يقدم صاحب العمل للموظف؟
لكن العلاقة المهنية ليست اتجاهًا واحدًا.
هناك صاحب عمل يريد أن يخفض تكاليفه، ويرفع إنتاجيته، ويحقق أرباحًا.
وهناك موظف يريد راتبًا أعلى، ووقتًا أفضل، ومزايا أكثر، ومسارًا مهنيًا أفضل.
وكلاهما لديه مصلحة مشروعة.
السوق ليس محكمة
قد يعرض صاحب العمل دوامًا لستة أيام، أو راتبًا محدودًا، أو مزايا أقل مما يطمح إليه الموظف، ما دام العرض والظروف متوافقين مع النظام والعقد.
وفي المقابل، ليس الموظف ملزمًا بقبول العرض.
له أن يرفضه.
وله أن يبحث عن منشأة تقدم له ما يراه أفضل.
لكن إذا قبل العرض، فإن القبول ينقل العلاقة من مرحلة التفاوض إلى مرحلة الالتزام؛ فالعمل عقد، والعقد يرتب حقوقًا والتزامات على الطرفين.
وهنا تبدأ المسؤولية.
لا تجعل عدم رضاك دليلًا على ظلم السوق
أحيانًا يقول الموظف:
"الراتب قليل."
السؤال: قليل مقارنة بماذا؟
باحتياجاتك الشخصية؟
أم بقيمة الوظيفة في السوق؟
أم بخبرتك؟
أم بمؤهلات شخص آخر؟
وأحيانًا يقول:
"الدوام طويل."
السؤال: هل هو مخالف للنظام أو العقد؟ أم أنه شرط معلن قبل قبول الوظيفة ولم يكن مناسبًا لك؟
الفرق كبير.
فالحقوق النظامية شيء، وعدم ملاءمة العرض لطموحك شيء آخر.
وإذا لم تجد فرصة أفضل؟
هنا يبدأ السؤال الأصعب.
إذا كنت ترى أن السوق يقدم لك أقل مما تريد، ثم تبحث طويلًا ولا تجد البديل، فهناك عدة احتمالات تستحق أن تواجه نفسك بها:
ربما قيمتك السوقية الحالية أقل مما تتصور.
أو:
ربما لا تعرف كيف تبحث عن الفرص المناسبة.
أو:
ربما مؤهلاتك وخبرتك لا تزال تحتاج إلى تطوير.
أو:
ربما لا تعرف كيف تقدم قيمتك لصاحب العمل.
أو ربما أنت تبحث في السوق الخطأ أصلًا.
ولا يعني هذا أن صاحب العمل على حق دائمًا.
بل يعني أن الموظف أيضًا عليه أن يتحمل مسؤولية تطوير موقعه في السوق.
صاحب العمل أيضًا أمام اختبار
وهنا يجب ألا نستخدم هذه الفكرة لتبرير استغلال الموظف.
صاحب العمل الذي يخفض الأجر إلى أدنى مستوى ممكن، ويزيد المتطلبات، ولا يطور موظفيه، ثم يتساءل لماذا يغادر أفضل الناس لديه؛ هو أيضًا لا يفهم السوق.
الموظف أصل اقتصادي، وليس مجرد تكلفة.
فإذا استطاع المنافس أن يقدم للموظف قيمة أفضل، فمن الطبيعي أن ينتقل إليه.
وهذا جزء من آلية السوق.
العلاقة الصحيحة
لا ينبغي أن تكون العلاقة:
صاحب العمل يضغط والموظف يتحمل.
ولا:
الموظف يطلب وصاحب العمل يدفع.
بل:
صاحب العمل يقدم عرضًا تنافسيًا ومشروعًا.
والموظف يقدم قيمة حقيقية مقابل ذلك.
ثم يقرر الطرفان:
هل هذه العلاقة مناسبة؟
إذا كانت الإجابة نعم:
التزام متبادل.
وإذا كانت لا:
لكل طرف أن يبحث عن البديل المشروع.
القيمة هي نقطة التقاء الطرفين
في النهاية، لا يكفي أن تقول:
"أنا أستحق أكثر."
السؤال المهني الأهم هو:
ما القيمة التي أقدمها وتبرر أن أدفع لي أكثر؟
ولا يكفي لصاحب العمل أن يقول:
"أريد تقليل التكاليف."
السؤال المقابل هو:
هل تقليل تكلفة الموظف سيخفض التكلفة فعلًا، أم سيرفع تكلفة الدوران، والتوظيف، والتدريب، وفقد المعرفة، وانخفاض الإنتاجية؟
وهنا يتحول النقاش من صراع بين الموظف وصاحب العمل إلى اقتصاد للقيمة.
فالراتب تكلفة على المنشأة، لكنه في الوقت نفسه استثمار في القدرة على تحقيق النتائج.
والوظيفة دخل للموظف، لكنها في الوقت نفسه فرصة لإثبات قيمته وبناء مستقبله.
احفظ حقك.
طوّر قيمتك.
فاوض بوعي.
وإذا قبلت، فالتزم.
فالسوق لا يعدك بأن يمنحك ما تريد.
لكنه يمنحك دائمًا فرصة لأن ترفع قيمتك حتى تصبح الفرصة التي تريدها ممكنة
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً